صالح نصر الله ابن سلوم الحلبي

346

الطب الجديد الكيميائي

ويوصي براكلسوس الأطباء أن يسخروا فكرهم وروحهم وجهدهم للآخرين بدون تمييز بين إنسان وآخر ، وبين فئة وأخرى ، وان ينكر الطبيب ذاته ويبتعد عن الملذات والترف . لأن فن الشفاء ، إنما هو فن عظيم لا يفتح أبوابه إلّا للجادين المنصرفين باستمرار إلى العمل النافع الصادق « 36 » . وفي هذا المجال ، يطل علينا دوما براكلسوس المتدين إلى أبعد حدود التدين ، فيوصي الأطباء بالانسجام مع تعليمات الإله الخالق ، ويقول لهم أن ذلك كفيل أن ينير للطبيب مصباح الحقيقة فيكون قادرا أن يرى أسرار الأرض والسماء منبسطة أمامه ، فيكون عظيم النفع في شفاء مرضاه . « 37 » وفي الختام أقول : إن براكلسوس قاد في القرن السادس عشر للميلاد ، حركة ثورية طبية سانده فيها عدد من المريدين والأنصار ، كان من أبرزهم الطبيب قرولليوس . وهذه الحركة الثورية استندت إلى الطب العربي في أكثر معطياتها وتخلفت عنه في أكثر نتائجها . وبعد أن كان جابر بن حيان من أبناء القرن التاسع الميلادي يسير في الكيمياء ، كما قال المستشرق بول كراوس في اتجاه منظم بعيد عن السرية والرموز ، وبعد أن قال هولميارد أن الإنسانية جادت بالرازي بعد أرسطو بألف ومائتي عام فكان عبقريا في رفضه الحاسم لموضوعات السحر والتنجيم ، وعدم قبوله بشيء لا يمكن البرهنة عليه بالتجربة والاختبار ، بعد ذلك الواقع العربي ، نجد براكلسوس يشيد بنيانا طبيا على أسس تسيطر فيه الفرضيات الوهمية والغيبيات الفلسفية حتى وصل به الأمر إلى أن يوصي بفحص البول في قارورة مجوفة تصنع على شكل إنسان ، ليستدلّ من موقع الراسب أو التخثر بعد التسخين على العضو

--> ( 36 ) انظر كتاب « مؤلفات براكلسوس الطبية » سلسلة مطبوعات Galien المطابع الجامعية الفرنسية / ص 86 . ( 37 ) المصدر نفسه ص / 89 .